القاسم بن إبراهيم الرسي
336
مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي
بفنائها ، فأصبح مشغولا بالفراغ مما شغله ، فارغا من الشغل الذي فرّغ له ، مصيخا « 1 » إلى الغرّة ، موطنا لدار النقلة ، لا جاهلا فيعذر ، ولا ناسيا فيذكّر ، فكأنّ الموصوف المفتون بما يسمع ويرى ، ليس بموقن بزوال الدنيا ، بل كأنه لم يوقن بمواعيد ربه غدا إذ تأخر « 2 » ذلك عنه ، ولم يصدق بما حذر « 3 » إذ قصر به دنوّه منه ، بل كأنه نسي أن الدنيا جعلت دار بلوى ، ولم تجعل لأحد من ساكنيها دار مثوى ، وجعلت إلى غيرها معبرا ، ولم تجعل لساكنيها مستقرا ، وأنها لأهلها ممر سبيل ، ومنزل نقلة وترحيل ، وأن كل من فيها إلى دار قراره غير لبيث ، « 4 » ومن الآخرة في السير حثيث ، فلو كان يصير من فيها بعد موته إلى غير معاد ولا مصير ، لما وسعه إن نظر أو عقل ففكر أن يركن إلى ما يزول ، وينصب لما يفنى فلا يدوم ، « 5 » وكيف وهو مبعوث ومحاسب ، وموقوف غدا للحساب فمعاتب ، فيما أفنى من عمره ، بل في كل أمره ، من صغير « 6 » محصوله ، وجميع فعله وقوله ، يحضر له كله يوم البعث في الحساب ، ويجد ما كان فيه من خطأ أو صواب . فيا ويله أما سمع قول اللّه تبارك وتعالى فيه ، وما حكم اللّه به « 7 » من عدل حكمه عليه ، إذ يقول سبحانه : وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً ( 49 ) [ الكهف : 49 ] . فبادروا رحمكم اللّه لعظيم المغنم ، وأجدوا في الهرب من أسف الندم ، واتقوا صفقة الخسار ، فإنها بين الجنة والنار ، ولا تبغوا من الراحة ما يفضي بأهله إلى النصب الدائم ، ولا من النيل إلى ما يؤدي إلى حرمان الغنائم ، وأكثروا ذكر السقم والوفاة ، وما رأيتم
--> ( 1 ) في ( أ ) و ( ج ) : مصبحا . والمصيخ : المستمع المصغي . ( 2 ) في ( ب ) و ( د ) : إذ أتى خبر . ( 3 ) في ( أ ) : عذر إذا قصر به دنوه منه . وفي ( ب ) و ( د ) : حذر إذ قصر به دنوه . وفي ( ج ) : يحذر إذا قصر به دنوه ، وقد لفقت النص من الجميع . ( 4 ) في ( ب ) و ( د ) : قرار . ولبيث : مقيم . ( 5 ) في ( ج ) : لمن يفنى . ولعل هنا سقطا ، وذلك فيما قبل من الجمل . ( 6 ) في ( ب ) : ضمير ( مصفحة ) . ( 7 ) سقط من ( ب ) : به .